علي بن محمد البغدادي الماوردي
274
أدب الدنيا والدين
تريك أعينهم ما في صدورهم * إن العيون يؤدّي سرّها النظر وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوبا عليه فيجمع بين معرّة الكذب منه ومضرّة الكذب عليه . وقد قال الشاعر : حسب الكذوب من البلي * ة بعض ما يحكى عليه فإذا سمعت بكذبة * من غيره نسبت إليه ثم إنه إن تحرّى الصدق اتهم وإن جانب الكذب كذب حتى لا يعتقد له حديث مصدّق ولا كذب مستنكر . وقد قال الشاعر : إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكد * يصدّق في شيء وإن كان صادقا ومن آفة الكذاب نسيان كذبه * وتلقاه إذا حفظ إذا كان حاذقا وقد وردت السنة بإرخاص الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين على وجه التورية والتأويل دون التصريح به فإن السنة لا ترد بإباحة الكذب لما فيه من التنفير وإنما ذلك على طريق التورية والتعريض كما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد تطرّف برداء وانفرد عن أصحابه فقال له رجل ممن أنت قال : من ماء فورّي عن الأخبار بنسبه بأمر محتمل فظن السائل أنه عنى القبيلة المنسوبة إلى ذلك وإنما أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه من الماء الذي يخلق منه الإنسان فبلغ ما أحب من إخفاء نفسه وصدق في خبره . وكالذي حكي عن أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه أنه كان يسير خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين هاجر معه فتلقاه العرب وهم يعرفون أبا بكر ولا يعرفون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا يا أبا بكر من هذا فقال : هاد يهديني السبيل فظنوا أنه يعني هداية الطريق وهو إنما يريد هداية سبيل الخير فصدق في قوله وورّى عن مراده . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إن في المعاريض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب . وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أنه لم ينس ولكنه معاريض الكلام . وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يصرح فيه بالكذب .